فخر الدين الرازي
100
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عنهم أنهم قالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] وحكى أيضا أنهم قالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] وبعضهم كانوا يقولون : أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا . وعن ابن عباس رضي اللَّه عنه ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقالوا : يا محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال لا ، فقالوا : واللَّه ما نحن إلا كهؤلاء : ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل . وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية اللَّه له [ في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ] وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الإنسان نفسه ، ومنه تزكية المعدل للشاهد ، قال تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [ النجم : 32 ] وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى ، والتقوى صفة في الباطن ، ولا يعلم حقيقتها إلا اللَّه ، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من اللَّه ، فلهذا قال تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ . فان قيل : أليس أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « واللَّه إني لأمين في السماء أمين في الأرض » . قلنا : إنما قال ذلك حين قال المنافقون له : اعدل في القسمة ، ولأن اللَّه تعالى لما زكاه / أو لا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره . المسألة الثانية : قوله : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ يدل على أن الايمان يحصل بخلق اللَّه تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان ، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق اللَّه تعالى . المسألة الثالثة : قوله : وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا هو كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو يكون المعنى : أن الذين زكاهم اللَّه فإنه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا ، والفتيل ما فتلت بين إصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت : الفتيل ما كان في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة ، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير ، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا . ثم قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا تعجيب للنبي صلى اللَّه عليه وسلم من فريتهم على اللَّه ، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على اللَّه ، وهو قولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى وقولهم : ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل . المسألة الثانية : مذهبنا أن الخبر عن الشيء إذا كان على خلاف المخبر عنه كان كذبا ، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم ، وقال الجاحظ : شرط كونه كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك ، وهذه الآية دليل لنا لأنهم كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة ، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة كذبهم اللَّه فيه ، وهذا يدل على ما قلناه .